ما هو حكم الاجهاض ؟

حُكم الاجهاض في الإسلام ومتى يكون مباحًا

حكم الاجهاض عموما في الإسلام هو التحريم المطلق، ولكن الكثير من المذاهب والآراء الإسلامية أجمعت على جواز الاجهاض إذا كان سيعرِّض حياة الأم إلى خطر حقيقي سواء في مرض شديد أو الوفاة، وهذا هو السبب الشرعي الوحيد المقبول لدى معظم جمهور الفقهاء للاجهاض بعد إتمام الحمل 120 يوما من تخصيب البويضة بالحيوان المنوي.

 

ولكن هناك آراء إسلامية مختلفة بشأن وجود أسباب أخرى يمكن أن تسمح للمرأة باجهاض نفسها دون خطر حقيقي على حياتها أو حياة الجنين، وفي أي مرحلة من الحمل يمكن أن يتم الاجهاض لأسباب غير تهديد الحياة.

 

وهناك بعض المذاهب أقرت الاجهاض خلال أول 16 أسبوعا من الحمل، وبعض المذاهب الأخرى قصرته على أول 7 أسابيع فقط أي قبل نفخ الروح في الجنين، حيث يقولون أنه لم يصبح إنسانا بعد وإن كان هذا لا ينفي أنه أصبح كائنا حيا بالفعل.

 

لكن حتى من سمحوا بالاجهاض لأسباب أخرى غير تهديد حياة الأم لا يُقرون الاجهاض في العموم، ولكن لا يعتبرونه حراما بشكل مطلق أو بذنب كبيرة قتل نفس، وكل المذاهب الإسلامية تعترض تماما على الاجهاض كلما تقدم الحمل واستمر نمو الجنين.

 

ورغم ذلك فإن القرآن لا يُشير صراحة إلى لفظ الاجهاض، لكنه قدّم الكثير من الإرشادات بخصوص امور لها صلة بهذا الموضوع، ويؤكد العلماء أن هذه التوجيهات يمكن تطبيقها دون أي شك على الاجهاض.

 

حرمة الحياة وحكم الاجهاض

والأصل في تحريم الاجهاض في الإسلام هو الحفاظ على حُرمة الحياة، ومنع قتل النفس التي خلقها الله عز وجل إلا بالحق، لذا من تقتل جنينها متعمدة فتكون ارتكبت كبيرة القتل وعليها كفارة القتل والديّة ويختلف العلماء في تحديد كلمة النفس بالنسبة للجنين، فالبعض يقول أنه لم يُصبح نفسا بنص القرآن إلا بعد نفخ الروح والذي جاء وفقا لتفسير العلماء للقرآن بعد 4 أشهر تقريبا من الحمل.

 

وبناء على الآية والقرآنية والأحاديث أقر بعض العلماء أن الجنين لا يُصبح إنسانا بالفعل إلا في الشهر الرابع، في حين أكد البعض الآخر أنه يُصبح إنسانا بعد 40 يوما من تخصيب البويضة، لذا يحلل الكثير من العلماء الاجهاض قبل نفخ الروح سواء قبل الأربعين أو قبل إتمام الأربع أشهر حتى في حالة عدم وجود خطورة على حياة الأم والجنين ولمجرد عدم الرغبة في إتمام الحمل أو وجود ظروف اجتماعية تمنع ذلك.

(مقال متعلّق)  ما هي اعراض الاجهاض

 

حياة الأم وحكم الاجهاض

هناك إجماع تام على أن حكم الاجهاض هو الإباحة التامة دون أي شروط في حالة وجود خطورة شديدة على حياة الأم وفقا لتقرير أطباء موثوق فيهم، حيث يرى الإسلام أن ذلك أخف الضررين وأن حماية الأصل مقدمة على حماية الفرع وذلك بعد استنفاد كل الطرق التي يمكن بها حماية الأم من رعاية طبية وعقاقير وغيرها للحفاظ على حياتها.

 

البعض ذهب إلى مدى أوسع من ذلك وهو تحريم إبقاء الأم على جنينها إذا كان في ذلك خطورة على حياتها أي أن التحريم في ذلك الوقت امتد لاكتمال الحمل وليس لاجهاضه، ولا يوجد شهر محدد للسماح بالاجهاض في هذه الحالة فيمكن ذلك في أي مرحلة من مراحل الحمل طالما كان خطرا على الأم مثل تعرضها إلى حادثة أو نزيف أو غيرها مما يهدد حياتها إذا احتفظت بالجنين، حيث يتمثل سبب الإباحة في:

 

  • أن الأم هي موطن نشأة الجنين وحمايتها واجبة.

  • أن حياة الأم راسخة ومهمة لاستمرار العائلة

  • موت الأم يهدد حياة الجنين أيضا سواء كانت الخطورة في الحمل نفسه أو عند الولادة.

 

حياة الطفل وحكم الاجهاض

مع التطور العلمي الحديث أصبح من الممكن معرفة خصائص الجنين الوراثية وإمكان معاناته من أي أمراض وهو لا يزال جنينا، لذا اختلف العلماء أيضا في حكم الاجهاض في هذه الحالة حيث يكون الجنين معرض للتشوه أو العيوب الخلقية أو غيرها مما يمكن اكتشافه وهو في الرحم.

 

أقر بعض العلماء إباحة الاجهاض في هذه الحالة، كما اعترض البعض عليها أيضا على أساس أن هذا خلق الله تعالى وله فيه حكمة وأن ميلاد طفل مشوه أو يعاني من أمراض هو إرادة الله وإذا توفى صغيرا فإنه يكون أكثر رحمة للأبوين من قتله وهو في الرحم ولكن أقر مجلس الفقه الإسلامي الذي انعقد في مكة المكرمة عام 1990 بجواز إجهاض الجنين في حالة:

 

  • كان الجنين يعاني من أمراض وراثية خطيرة تعيقه عن الحياة بشكل طبيعي بشرط ألا يكون أكمل 120 يوما وبموافقة الأبوين على الاجهاض.

 

  • وفي 2009 في إيران أصدر آية الله على خامنئي فتوى تسمح بإجهاض الأجنة خلال 10 أسابيع من الحمل إذا كان مصابا بالاضطرابات الوراثية في الدم.

 

  • كما صدرت فتوى أخرى في إيران تجيز الاجهاض في حالة فقر الوالدين أو نتيجة سياسة الدولة في تخفيف الاكتظاظ السكاني من منطلق أن الإسلام دين الرحمة وأنه في حالة وجود مشاكل خطيرة فإن الإباحة هي الأصل.

 

(مقال متعلّق)  علامات الاجهاض

الفقر وحكم الاجهاض

في بعض المجتمعات الآن ومع انتشار الفقر فإن ميلاد طفل آخر يمكن أن يكون عبئا ماديا كبيرا على الأبوين، لذا يتم اللجوء إلى الاجهاض للرغبة في طفل أو طفلين، وحكم الاجهاض في هذه الحالة هو التحريم التام وفقا لجمهور العلماء وعملا بالنص القرآني في سورة الإسراء: وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا”.

 

ولكن حتى مع هذا النص القرآني الصريح فإن هناك خلاف بين العلماء في معنى كلمة خِطئا فالبعض قال أن الخطأ بكسر الخاء معناه الفاحشة والتحريم التام والوقوع في كبيرة من الكبائر، ولكن عند عموما العرب تُقرأ خطأ بفتح الخاء.

 

هي تدل على الأمور المكروهة وليست التي ترقى إلى منزلة الكبائر لذا أجاز بعض العلماء الاجهاض قبل نفخ الروح أو في الشهر الأول من الحمل في حالة عدم الرغبة فيه نتيجة الفقر أو عدم التخطيط له أو ما شابه ولكنهم يعتبرون أقلية.

 

في حين أجمع الجمهور على التحريم ومن ناحية أخرى فكم من امرأة حاولت الاجهاض في الشهر الأول وفشلت في ذلك لإرادة الله تعالى ببقاء الجنين، لذا فالأمر أيضا ليس مطلقا.

 

حكم الاجهاض بعد الاغتصاب والزنا وسفاح المحارم

الحمل الناتج عن الاغتصاب أوالزنا أو سفاح المحارم أخذ جدلا كبيرا من العلماء في جميع الأقطار الإسلامية على مر السنوات، ففي حين أقر البعض أن حرمة الحياة هي نفسها للجنين سواء كان من زواج شرعي أو من اغتصاب أو من زنا، أجاز البعض الاجهاض في حالة الاغتصاب قبل مرور 120 يوما من الحمل.

 

ولقد أصدر مجمع الفقهاء فتوى للنساء البوسنيات اللواتي تم اغتصابهن على يد أفراد الجيش الصربي باجهاض الأجنة قبل مرور 120 يوما على الحمل، كما صدرت فتوى مماثلة في الجزائر.

 

وفي مصر فإن الاجهاض محرّم بنص القانون أيضا، إلا أنه في يونيو 2004 نجحت جمعيات حقوق المرأة في حث شيخ الأزهر محمد طنطاوي على إطلاق فتوى تسمح للمرأة باجهاض الجنين الناتج عن الاغتصاب حتى لو أكمل الحمل 4 أشهر أو أكثر.

 

قد أثار هذا القرار جدلا كبيرا بين علماء المسلمين في مصر والدول الأخرى وعارض الدكتور علي جمعة مفتي مصر وقتها هذه الفتوى مؤكدا أن القرآن حرَّم قتل الأرواح البريئة.

 

ومع هذا فإن إجهاض الجنين الناتج عن الزنا أو العلاقة الجسدية غير الشرعية التي تمت بالتراضي بين الرجل والمرأة هو محرم شرعا ولا يجوز على إطلاقه وفقا لجمهور العلماء، ولكن يُطبق حد الزنا على المرأة بعد وضع جنينها وفقا للروايات المتداولة عن موقف الرسول عليه الصلاة والسلام عندما جاءته امرأة زانية، ولا يُسمح بالزواج للمرأة وهي حامل، بل يجب أن تضع حملها في البداية.

(مقال متعلّق)  مشروبات تسبب الاجهاض

 

وإذا كان البعض يرى هذا الأمر تشددا ويتسبب في فضائح للفتاة ولعائلتها، فإن هذا وفقا لجمهور العلماء أولى أن تراعي المرأة شرفها وأن تبتعد عن الشبهات التي توقعها في المعاصي، وأن تحليل الزواج بعد الحمل أو اجهاض الحمل الناتج عن الزنا سيكون بمثابة التشجيع على فعل كبيرة من الكبائر التي نهى الله عز وجل عن الاقتراب منها وليس فقط السقوط فيها.

 

وعموما فإن اختلاف العلماء في حكم الاجهاض وفقا للظروف المختلفة هو في غالبه رحمة حتى لا يكون هناك تشدد في الأحكام، بل مراعاة لمختلف الظروف الاجتماعية التي تمر على الشعوب المسلمة، ولكن مع ذلك فلا يجب أخذ الأمر بالإباحة على إطلاقه نظرا للخوف من الفقر أو عدم القدرة على تربيته لظروف صحية أو غيرها.

 

كما يجب التنويه إلى أن تنظيم النسل في الإسلام يختلف عن الاجهاض، حيث اتفق الجمهور على جواز تحديد النسل بوسائل لا تمنع الحمل في المطلق مثل استئصال الرحم عن عمد مثلا، فمن الجائز تماما تنظيم النسل وترك فترة سنوات بين كل حمل وآخر.

 

حيث أن الله تعالى قادر على أن يتسبب في حمل المرأة حتى مع وسائل تنظيم النسل المتبعة ولكن المهم ألا يتم الاجهاض لمجرد عدم الرغبة في الحمل فهذا هو الحرام بالاتفاق وإجماع جمهور العلماء.

 

حكم الاجهاض في الديانات السماوية

حكم الاجهاض في الديانتين اليهودية والمسيحية يتفاوت أيضا بين التحريم الشديد بالنسبة للطوائف الأكثر تشددا حتى في حالة الخطورة على حياة الأم، فتقول الكنيسة في بعض الفتاوى أن الأم تم تعميدها وضمن الخلاص في حين أن الجنين لم ينل تلك الفرصة.

 

لكن معظم الآراء الكنسية تبيح الاجهاض في حالة وجود خطورة شديدة على حياة الأم أو التسبب في وفاتها ويكون محرما في أي حالة أخرى، ومع انتشار دور الرعاية والتبني فإنه يمكن للأم استكمال حملها والتخلي عن الطفل بعد الميلاد وفقا لما يتم في أوروبا وأمريكا والكثير من الدول غير الإسلامية حيث أن التبني محرَّم أيضا في الإسلام.

 

المراجع:

  1. BBC: Abortion
  2. Yaqeen: Islam and the Abortion Debate
error: Content is protected !!

Send this to a friend